الميراث والتركات

دعوى القسمة في تونس: كيف تُجبر الورثة على الخروج من الشياع

بقلم الأستاذ يحيى الصغيرينُشر في 8 أكتوبر 202610 دقيقة قراءة

دار الجدّ مغلقة منذ اثنتي عشرة سنة. عمّ أسكن فيها ابنه، وآخر يعيش في فرنسا ولم يعد يردّ، وعمّة ترفض البيع «من حيث المبدأ». لا أحد يأخذ شيئاً، والسقف يتداعى، وقيمة الدار تتآكل سنة بعد سنة.

هذه الوضعية نراها كل أسبوع. ولها مخرج نصّ عليه القانون: دعوى القسمة القضائية. إليكم كيف تسير، وكم تكلّف، وكم تستغرق، ولماذا تنتهي في الغالب قبل صدور الحكم.

لماذا تتعطّل التركات، والقاعدة التي تفكّ التعطيل

عند الوفاة تنتقل الأملاك إلى الورثة جميعاً، لكل منهم منابه: هذا هو الشياع. وبيع الملك المشاع أو كراؤه لمدة طويلة أو تغييره يقتضي مبدئياً موافقة الجميع. فيكفي وارث واحد معارض أو غائب أو مجهول المقرّ لتجميد كل شيء.

ويضع القانون التونسي في المقابل قاعدة بلا استثناء: لا يُجبر أحد على البقاء في الشياع. فلكل وارث، مهما صغر نصيبه، أن يطلب القسمة في أي وقت، وهذه الدعوى لا تسقط بمرور الزمن. وعشر سنوات أو عشرون أو ثلاثون من الجمود لا تُفقد أي حق.

قبل اللجوء إلى المحكمة: الملف الذي يجب جمعه

حجة الوفاة التي تضبط قائمة الورثة، والفريضة التي تحدّد أنصبتهم. وإذا توفّي أحد الورثة في الأثناء، لزمت الحجج نفسها لتركته هو: فورثته يحلّون محلّه.

رسوم الأملاك: شهادة ملكية من إدارة الملكية العقارية للعقار المسجّل، وعقود الشراء وسلسلة الرسوم للعقار غير المسجّل. وقسمة العقار غير المسجّل ممكنة، لكنها أطول.

التصريح بالتركة المسجّل لدى القباضة المالية، وهوية كل وارث وعنوانه، في تونس أو بالخارج. ويجب استدعاء الجميع إلى الدعوى دون استثناء: فالوارث المُغفَل يجعل الحكم قابلاً للطعن.

محاولة الحل الرضائي، ولماذا يغيّر التنبيه كل شيء

تبقى القسمة الرضائية أفضل مخرج: حجة لدى عدل إشهاد تُسند لكل وارث حصّته، مع معدّل لتعويض الفوارق، ثم تُسجَّل وتُرسَّم على الرسوم. وهي أسرع وأقلّ كلفة، وتحفظ ما يمكن حفظه من العلاقات العائلية.

لكن الحل الرضائي لا يتقدّم إلا عندما يفهم المعطِّل أنه لم يعد أمامه خيار. ولهذا نبدأ في الغالب بتنبيه عن طريق محامٍ، يعرض الأنصبة ويقترح قسمة ويعلن اللجوء إلى القضاء إذا لم يصل ردّ في أجل محدّد. وفي نسبة معتبرة من الملفات، تكفي هذه الرسالة وحدها لإعادة فتح تفاوض جُمّد منذ سنوات.

دعوى القسمة: من يرفعها، وضدّ من، وأمام أي محكمة

لأي وارث أن يرفعها، وحده أو مع غيره. وتُوجَّه الدعوى ضدّ بقية الورثة جميعاً، بمن فيهم الموافقون: فالحكم يجب أن يسري على الجميع.

والمحكمة المختصة هي المحكمة الابتدائية التي يقع العقار بدائرتها. وإذا توزّعت الأملاك على عدة ولايات، نختار الاستراتيجية الأبسط، وغالباً دعوى عن كل عقار رئيسي.

الوارث المقيم بالخارج يُستدعى على عنوانه بالخارج؛ ويمكنه أن يوكّل من يمثّله بتوكيل قنصلي دون أن يتنقّل. والوارث مجهول المقرّ لا يوقف الإجراءات: تأذن المحكمة بطرق تبليغ بديلة، ويُحفظ له نصيبه. والوارث القاصر يمثّله وليّه، تحت رقابة القاضي.

سير الدعوى: الاختبار، ثم القسمة العينية أو البيع بالمزاد

تبدأ المحكمة بالتثبّت من قائمة الورثة وأنصبتهم، ثم تعيّن خبيراً. يعاين الخبير الأملاك ويقيّمها ويبيّن إن كانت قابلة للقسمة عيناً: فالأرض كثيراً ما تُقسَّم إلى حصص، أما الشقة فلا.

وإذا أمكنت القسمة العينية، يكوّن الخبير حصصاً متعادلة القيمة، مع معدّلات عند الاقتضاء، وتسندها المحكمة. فيصبح كل وارث مالكاً وحده لحصّته.

وإذا تعذّرت قسمة العقار، تأذن المحكمة ببيعه بالمزاد العلني، على أساس ثمن افتتاحي يُحدَّد وفق الاختبار. ولأي وارث أن يزايد ويشتري العقار، وهو ما يحدث كثيراً بالنسبة إلى المسكن العائلي. ثم يُوزَّع الثمن على الورثة بحسب أنصبتهم.

الحسابات بين الورثة: معينات الكراء، الأشغال، الإشغال

القسمة مناسبة لتصفية ما جرى أثناء الشياع. فالوارث الذي قبض وحده معينات الكراء أو استغلّ الأرض بمفرده مدين للآخرين بنصيبهم من المداخيل. والذي سكن وحده في المنزل قد يُلزَم بتعويض لبقية الورثة.

وفي المقابل، من دفع وحده الضرائب أو الأشغال الضرورية أو ديون الهالك له الحق في استرجاع نصيب الآخرين.

وتُقدَّر هذه الحسابات بالأدلّة: وصولات، عقود كراء، فواتير، كشوف حسابات. وجمع هذه الوثائق قبل رفع الدعوى يغيّر النتيجة المالية للملف أكثر بكثير مما يغيّرها الجدل حول الأنصبة نفسها.

الآجال والتكاليف: ما يجب توقّعه

تستغرق دعوى القسمة مع الاختبار عادة من سنة إلى ثلاث سنوات أمام المحكمة الابتدائية، وأكثر إذا كان هناك استئناف أو بيع بالمزاد. وتتوقّف المدة كثيراً على المحكمة، وعدد الورثة الواجب تبليغهم، وجودة الملف منذ البداية.

وتشمل المصاريف أتعاب المحامي، ومصاريف الاختبار التي يسبقها المدّعي ثم تُوزَّع على جميع الورثة في الحكم، ومصاريف التبليغ، ومعاليم تسجيل حجة القسمة أو حكمها، وهي أقلّ بكثير من معاليم البيع. وبعد الحكم يبقى ترسيمه بإدارة الملكية العقارية حتى تُقيَّد كل حصة باسم من أُسندت إليه.

وإذا قُورن ذلك بعقار لا يدرّ شيئاً ويتدهور منذ عشر سنوات، كانت الحسبة سريعة.

ما يحدث في الغالب: الاتفاق في منتصف الطريق

أغلب دعاوى القسمة التي نرفعها لا تصل إلى الحكم. فالاستدعاء، ثم تقرير الاختبار الذي يعطي أخيراً رقماً موضوعياً لكل واحد، يعيدان الورثة إلى الطاولة. وينتهي الملف بقسمة رضائية أو بشراء الأنصبة، تصادق عليه المحكمة.

ولهذا لا ينبغي الخوف من رفع الدعوى: فدعوى القسمة ليست إعلان حرب، بل هي الأداة الوحيدة التي تعيد الجميع إلى قدم المساواة. ومن كان يعطّل يفقد قدرته على الإضرار يوم يتسلّم الاستدعاء.

أسئلة متكرّرة

هل يمكن إجبار وارث على بيع المسكن العائلي؟

نعم. إذا تعذّرت قسمة الدار عيناً، تأذن المحكمة ببيعها بالمزاد العلني وتوزيع الثمن. والوارث الذي يريد الاحتفاظ بها يمكنه المزايدة وشراؤها من الآخرين، أو التفاوض قبل الحكم على شراء أنصبتهم.

هل تسقط دعوى القسمة بمرور الزمن؟

لا. الحق في طلب القسمة لا يسقط بالتقادم، ولو بعد عقود من الشياع. وسكنى أحد الورثة في ملك مشاع لا تكسبه ملكيته.

هل يعطّل الوارث مجهول المقرّ أو المقيم بالخارج القسمة؟

لا. الوارث المقيم بالخارج يُستدعى على عنوانه ويمكنه التوكيل. والوارث مجهول العنوان يُبلَّغ بالطرق التي نصّ عليها القانون، وتتواصل الإجراءات: ويُحفظ نصيبه ولا يضيع.

هل يمكنني بيع نصيبي دون انتظار القسمة؟

نعم، يمكن للوارث أن يفوّت في منابه المشاع، لوارث آخر أو لأجنبي عن التركة، مع مراعاة حق الشفعة لبقية الورثة. لكن الأجنبي يدفع عملياً ثمناً زهيداً مقابل مناب مشاع: والأفضل في الغالب طلب القسمة.

هل لديك سؤال حول وضعيتك؟

يستقبلكم مكتب الخميري والصغيري بباردو، تونس، لاستشارة أولى.